نصر حامد أبو زيد

204

الاتجاه العقلي في التفسير

حقا فنتبعه ، والباطل باطلا فنجتنبه . وقد ذكر أهل اللغة في كتبهم أن الرؤية إذا كانت بمعنى العلم تعدّت إلى مفعولين وإذا كانت بمعنى الادراك لم تتعد إلّا إلى مفعول واحد . فإذا صحّ ذلك ، وأن الرؤية قد تكون بمعنى العلم ، لم يمتنع أن يكون المراد بقوله ترون ربكم ( تعلمون ربكم ) كما تعلمون القمر ليلة البدر ، ويكون هذا أصح لأنه إن حمل على أنه أراد يدركونه كما يدركون القمر فيجب أن يدرك في جهة مخصوصة كالقمر ، فثبت أن وجه التشبيه فيه ، إذا حمل على العلم من حيث شاركه في أنه ضروري ، أصح » 207 . غير أن تأويل الرؤية بمعنى العلم في الحديث السابق يحتاج إلى تأويل آخر ، ذلك أن الرؤية إذا كانت بمعنى العلم تتعدّى إلى مفعولين ، وإذا كانت بمعنى الادراك لم تتعد إلّا إلى مفعول واحد كما ذكر أهل اللغة الذين يروي عنهم القاضي عبد الجبار في النص السابق . وإذا كان القاضي عبد الجبار لم يحل هذا الاشكال الذي أورده على نفسه ، واكتفى بالدليل العقلي على أساس أن حمل « ترون » في الحديث على الادراك يقتضي الادراك في جهة مخصوصة كما يدرك القمر في جهة مخصوصة ، إذا كان القاضي عبد الجبار لم يحل الاشكال اللغوي واكتفى بإقامة تأويله على أساس عقلي ، فإنه في مكان آخر يتنبّه إلى هذا الاشكال ويحاول حلّه . أو لعل شارح كتابه والمعلق عليه هو الذي أحس بالاشكال ورد عليه « فإن قالوا : الرؤية إذا كانت بمعنى العلم تتعدّى إلى مفعولين ، نحو رأيت فلانا فاضلا ، ولا يجوز الاقتصار على أحد مفعوليه إلّا إذا كان بمعنى المشاهدة ، قلت : لا يمتنع أن يكون الأصل ما ذكرتموه ، ثم يقتصر على أحد مفعوليه توسعا ومجازا ، كما أن همزة التعدية إذا دخلت في الفعل الذي يتعدّى إلى مفعولين ، تقتضي تعديه إلى ثلاثة مفاعيل ، ثم قد تدخل على الفعل الذي هذا حاله ويقتصر على مفعولين ، ولهذا قال تعالى : أَرِنا مَناسِكَنا فأدخل الهمزة على الرؤية ، واقتصر على مفعولين . على أن حال الرؤية إذا كانت بمعنى العلم ليس بأكثر من حال العلم ، ومعلوم أنهم يقتصرون في العلم على أحد مفعولين فيقولون أعلم ما في نفسك ، ولهذا قال تعالى : تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ فإن قال : إن العلم هاهنا بمعنى المعرفة ، فلهذا جاز أن يقتصر على أحد المفعولين ، قلنا : فارض منا بمثل هذا الجواب » 208 . وهذا الرد يتضمن ثلاث وسائل لغوية : الوسيلة الأولى أن اقتصار « الرؤية » بمعنى العلم على مفعول واحد توسع ومجاز . والشاهد على ذلك أن همزة التعدية إذا دخلت على الفعل الذي يتعدّى إلى مفعولين تعديه إلى ثلاثة مفاعيل ، لكنها قد تدخل عليه ويعدّى إلى مفعولين فقط كما هو الأصل كما في قوله تعالى : أَرِنا مَناسِكَنا ( البقرة : 128 ) . الوسيلة الثانية أن حال الرؤية كحال العلم ، وأن